• تابعنا على

العمارة الاسلامية في المسجد الاقصى

  • Admin
  • منذ سنتين
  • تدوينات الأقصى

لقد بات معروفاً بين الباحثين والمختصين في العمارة الإسلامية ، أن مبنى المسجد الأقصى المبارك الحالي، هو المسجد الأقصى الثاني، باعتبار أن المسجد الأقصى الأول (القديم) هو ذاك الذي بناه الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب.

العمارة الاسلامية في المسجد الاقصى

لقد بات معروفاً بين الباحثين والمختصين في العمارة الإسلامية ، أن مبنى المسجد الأقصى المبارك الحالي، هو المسجد الأقصى الثاني، باعتبار أن المسجد الأقصى الأول (القديم) هو ذاك الذي بناه الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب (13-23 هجرية/ 634-644 ميلادية)، بعد الفتح الإسلامي لبيت المقدس سنة 15هجرية/ 636 ميلادية ،حيث كان يقوم في الجهة الجنوبية الشرقية للحرم الشريف والذي امتاز بناؤه بالبساطة المتناهية، وعلى ما يبدو أن هذا المسجد لم يصمد طويلاً أمام تقلبات العوامل الطبيعية المؤثرة وذلك لبدائية إنشائيته، حتى قام الأمويون بتأسيس وبناء المسجد الأقصى الحالي.

بنى المسجد الأقصى المبارك الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (86-96 هجرية/ 705-715ميلادية) ، في الفترة الواقعة ما بين (90-96 هجرية/ 709-714ميلادية) فقد أكدت ذلك وثائق البردى (أوراق البردى) التي احتوت على مراسلات بين قرة بن شريك عامل مصر الأموي (90-96هجرية/ 709-714ميلادية) وأحد حكام الصعيد، حيث تضمنت كشفاً بنفقات العمال الذين شاركوا في بناء المسجد الأقصى، مما يؤكد أن الذي بنى المسجد الأقصى هو الخليفة الوليد بن عبد الملك .يتألف المسجد الأقصى من رواق أوسط كبير يقوم على أعمدة رخامية ممتداً من الشمال إلى الجنوب، يغطيه "جملون" مصفح بألوان الرصاص وينتهي من الجنوب بقبة عظيمة الهيئة والمنظر، كروية الشكل تقوم على أربع دعامات حجرية تعلوها أربعة عقود حجرية، نتج عنها أربعة مثلثات ركنية لتكون بمثابة القاعدة التي تحمل رقبة القبة والقبة نفسها والتي تتكون من طبقتين (قبتين: مثل قبة الصخرة المشرفة) داخلية وخارجية، زينت من الداخل بالزخارف الفسيفسائية البديعة، وأما من الخارج فقد تم تغطيتها بصفائح النحاس المطلية بالذهب (مثل قبة الصخرة)، ولكنها استبدلت حديثاً بألواح من الرصاص، وذلك للزوم أعمال الترميم التي تمت فيها على يدي لجنة إعمار قبة الصخرة والمسجد الأقصى المبارك . 
    ويحف الرواق الأوسط من كلا جانبيه الغربي والشرقي، ثلاثة أروقة في كل جانب جاءت موازية له وأقل ارتفاعاً منه. أما الأروقة الواقعة في القسم الغربي، فقد غطيت بالأقبية المتقاطعة المحمولة على العقود والدعامات الحجرية والتي تم إنشاؤها في الفترة المملوكية. وأما القسم الشرقي فقد غطي بسقوف خرسانية تقوم على أعمدة وعقود حجرية، تم ترميمها وإعادة بنائها على يدي المجلس الإسلامي الأعلى (1938-1943م).

ويدخل إلى المسجد الأقصى من خلال أبوابه السبعة التي فتحت في واجهته الشمالية والذي يؤدي كل منها إلى أحد أروقة المسجد السبعة، هذا ويتقدم الواجهة الشمالية المذكورة، واجهة أخرى عبارة عن رواق تمت إضافته في الفترة الأيوبية والذي يمتد من الشرق إلى الغرب، يتألف من سبعة عقود حجرية تقوم على دعامات حجرية. وعوضاً عن تلك الأبواب السبعة، فقد فتح بابان آخران في كل من الجهة الغربية والشرقية للمسجد، وباب واحد في الجهة الجنوبية وذلك في فترات متأخرة . وقد ظل المسجد قائماً بتخطيطه الأصلي الأموي حتى سنة 130هجرية/ 746 ميلادية، حيث تهدم جانباه الغربي والشرقي جراء الهزة الأرضية التي حدثت في تلك السنة.

وفي الفترة العباسية تم ترميم المسجد الأقصى لأول مرة في عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (136-158 هجرية/ 754-775ميلادية)، ولكنه ما لبث وأن تعرض لهزة أرضية عنيفة ثانية وذلك في سنة 158 هجرية/ 774 ميلادية، مما أدى إلى تدمير معظم البناء، الأمر الذي جعل الخليفة العباسي المهدي (158-169 هجرية/ 775-785 ميلادية)، أن يقوم بترميمه وإعادة بنائه من جديد في سنة 163هجرية/ 780 ميلادية. وقد كان المسجد الأقصى في عهده يتألف من خمسة عشر رواقاً، وذلك حسب ما جاء في وصفه عند المقدسي.

وفي الفترة الفاطمية، تعرض المسجد الأقصى لهزة أرضية أخرى حدثت سنة 425هجرية/ 1033 ميلادية، أدت إلى تدمير معظم ما عمر في عهد المهدي، حتى قام الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله (411-427 هجرية/ 1021-1036 ميلادية) بترميمه في سنة 426 هجرية/ 1035 ميلادية، حيث قام باختصاره على شكله الحالي وذلك عن طريق حذف أربعة أروقة من كل جهة، الغربية والشرقية، كما قام بترميم القبة وزخارفها من الداخل.ولما احتل الصليبيون بيت المقدس سنة 492 هجرية/ 1099 ميلادية، قاموا بتغيير معالم المسجد الأقصى والذي استخدموه لأغراضهم الخاصة، منتهكين في ذلك حرمته الدينية، فقاموا بتحويل قسم منه إلى كنيسة والقسم الآخر مساكن لفرسان الهيكل، كما أضافوا إليه من الناحية الغربية بناء استخدموه مستودعاً لذخائرهم . وقد زاد استهتارهم وانتهاكهم لقدسية المسجد الأقصى عندما استخدموا الأروقة الواقعة أسفل المسجد الأقصى كإسطبلات لخيولهم، والتي عرفت منذ تلك اللحظة بإسطبل أو إسطبلات سليمان.

وقد ظل المسجد الأقصى منتهكاً بهذا الشكل طوال فترة الغزو الصليبي لبيت المقدس، وحتى الفتح الصلاحي سنة 583 هجرية/ 1187 ميلادية.

وفي سنة 583 هجرية/ 1187 ميلادية، فتح الله على القائد صلاح الدين الأيوبي (564-589 هجرية/ 119-1193ميلادية) باسترداد بيت المقدس وتطهير المسجد الأقصى من دنس الصليبيين، حيث قام صلاح الدين بإعادة المسجد الأقصى على ما كان عليه قبل الغزو الصليبي له، والشروع بترميمه وإصلاحه. ومن أهم الترميمات التي أنجزت على يدي صلاح الدين، تجديد وتزيين محراب المسجد، حيث يشير إلى ذلك النقش التذكاري الذي يعلوه والمزخرف بالفسيفساء المذهبة.

كما أمر السلطان صلاح الدين بإحضار المنبر الخشبي الذي صنع خصيصاً في عهد السلطان نور الدين زنكي (541-569 هجرية/ 1146-1174 ميلادية)، ليكون بمثابة تذكار لفتح وتحرير المسجد الأقصى، حيث أحضره من حلب ووضعه في المسجد الأقصى . وظل هذا المنبر قائماً فيه حتى تاريخ 21/8/1969م، عندما تم إحراق المسجد الأقصى المبارك على يدي مايكل روهان، وقد أتى الحريق على المنبر حتى لم يتبق منه إلا قطع صغيرة محفوظة الآن في المتحف الإسلامي في الحرم الشريف.

ويعتبر المنبر من روائع القطع الفنية الإسلامية، وذلك لما امتاز به من دقة ومتانة في الصنع، وكذلك لما اكتنفه من زخارف إسلامية بديعة . وقد تابع الأيوبيون بعد صلاح الدين، اهتمامهم في الحفاظ على المسجد الأقصى، حيث قام السلطان الملك المعظم عيسى (614-624هجرية/ 1218-1227 ميلادية)، في سنة 614 هجرية/ 1218 ميلادية، بإضافة الرواق الذي يتقدم الواجهة الشمالية للمسجد الأقصى، والذي يعتبر اليوم الواجهة الشمالية نفسها للمسجد الأقصى. لقد ساهم المماليك في المحافظة على المسجد الأقصى بشكل منقطع النظير، وذلك من خلال ترميماتهم الكثيرة والمتتابعة فيه. حيث تركزت وتمت في الفترة المملوكية الواقعة ما بين (686-915 هجرية/ 1287-1509)، على يدي سلاطين المماليك نذكر أهمها:

السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون (678-689 هجرية/ 1280-1290ميلادية) : حيث قام بترميمات عديدة أهمها في سنة 686 هجرية/ 1286 ميلادية، والتي قام فيها بعمارة القسم الجنوبي الغربي من سقف المسجد الأقصى المبارك .والسلطان الملك الكامل سيف الدين شعبان (746-747 هجرية/ 1345-1346 ميلادية) : حيث قام في سنة 746 هجرية/ 1345 ميلادية، بتجديد المسجد من الداخل وأبوابه، والذي أشير إليه في نقشه التذكاري الموجود في الواجهة الشمالية للمسجد.

لقد كان للعثمانيين دور هام في متابعة مسيرة المحافظة على المسجد الأقصى المبارك، حيث قام سلاطينهم بأعمال ترميمات ضخمة في المسجد الأقصى، يقول المؤرخ المقدسي عارف العارف عن هذه الفترة  : ((إن التعميرات ابتدأت سنة 1938 م وانتهت 1943 م. وتلخصت أعمال الترميم بهدم الرواق الشرقي وإعادة بنائه من جديد .. وإنك لترى عندما تدنو من المسجد بين مدخله الرئيسي والباب الكائن غربه بلاطة من المرمر نقشت عليها السطور التالية بماء الذهب: ((جدد المجلس الإسلامي الأعلى القسم الشرقي والرواق الأوسط وواجهة الرواق الشمالي للمسجد الأقصى المبارك بإشراف الآثار العربية بمصر. وكان بدئ العمل في سنة 1357 هجرية والفراغ منه 1326 هجرية. وقامت الحكومة المصرية بتجديد السقف الخشبي للرواق الأوسط في عهد جلالة الملك الصالح فاروق الأول حفظه الله وأيد ملكه في سنة 1363 للهجرة 1943 م)).

وقد استمرت أعمال الترميم في المسجد الأقصى في عهد الهاشميين وذلك من خلال لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة التي ما زالت تقوم بمسؤولياتها حتى هذا اليوم.


المصدر: جريدة الغد